تحل علينا ذكرى احتلال بغداد عام 2003، لتبقى محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث والمنطقة، بما حملته من تحولات عميقة وتداعيات سياسية وأمنية واقتصادية ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
لقد شكل ذلك الحدث بداية مرحلة اتسمت بعدم الاستقرار، وأدخلت البلاد في دوامة من العنف والانقسام، خلفت خسائر بشرية جسيمة، وألحقت أضراراً هائلة بالبنية التحتية والاقتصاد الوطني، ولا يمكن إغفال مسؤولية الولايات المتحدة عن هذه الخسائر، سواء على مستوى الأرواح التي أُزهقت، أو الموارد التي استُنزفت، أو المسارات السياسية التي تعثرت نتيجة قرارات وسياسات لم تُراعِ خصوصية العراق وتعقيداته.
إن تداعيات هذا الاحتلال لم تقتصر على الداخل العراقي فحسب، بل امتد أثرها ليطال مجمل المنطقة العربية، إذ إن ما يشهده الواقع العربي اليوم من اختلال في منظومة الأمن القومي، يرتبط إلى حد كبير بتغييب العراق قسراً عن دوره المحوري، نتيجة إضعافه وتشتيت قراره على نحو متعمد، ومن هنا، يصعب تصور استقرار حقيقي في المنطقة دون عودة العراق فاعلاً وقوياً في المشهد ويعود له دوره الجيوسياسي .
وفي ظل ما تشهده المنطقة من توترات وصراعات متصاعدة، تزداد أهمية هذه الذكرى لاستحضار الدروس والعِبر، إذ إن تكرار الأخطاء ذاتها قد يقود إلى نتائج أكثر خطورة، ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للتجربة السياسية العراقية، وإلى دعوة صادقة لجميع القوى الوطنية لتحمل مسؤولياتها التاريخية، والعمل على تجاوز الخلافات الضيقة، وتغليب مصلحة العراق وشعبه فوق كل اعتبار.
إن المرحلة الراهنة تتطلب توحيد الجهود، وأصلاح العملية السياسية بما يحقق العدالة والاستقرار، إلى جانب إعادة النظر في الفقرات الجدلية في الدستور العراقي، بما ينسجم مع تطلعات الشعب ويعزز قوة الدولة ووحدتها، فالعراق، بما يمتلكه من تاريخ عريق وإمكانات كبيرة، يستحق أن ينهض من جديد على أسس راسخة من السيادة والعدالة، بعيداً عن التدخلات والصراعات التي أثقلت كاهله لعقود.